خالد عبد الرحمن العك
9
تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول
ثم ليس المفسر بغنى عن معرفة أسباب النزول ، الذي هو فرع من فروع علم التفسير ، والذي فيه بيان مجمل وإيضاح خفي وموجز ، ومنه ما يكون وحده تفسيرا ، ففي الموطأ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه ، أنه قال : « قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول اللّه تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ سورة البقرة ، الآية : 158 ] ، فما على الرجل شيء ألّا يطوف بهما ؟ قالت عائشة : كلا لو كان كما تقول لكانت : « فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما » ؛ إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فأنزل اللّه تعالى : * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية . وإن أسباب النزول التي صحت أسانيدها وجدت خمسة أقسام « 1 » : الأول : قسم هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منهما على علمه ؛ فلا بدّ للمفسر من البحث عنه ، وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [ سورة المجادلة ، الآية : 1 ] ، ومنه ما اقتضاه حال خاص نحو : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [ سورة البقرة ، الآية : 104 ] . الثاني : قسم هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام ، وصور تلك الحوادث لا تبين مجملا ، ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد ، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها ؛ مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت فيه آية اللعان « 2 » ، ومثل حديث كعب بن عجرة التي نزلت فيه آية : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ الآية . . [ سورة البقرة ، الآية : 196 ] ، فقد قال كعب : هي لي خاصة ولكم عامة . وهذا القسم لا يفيد البحث فيه إلا زيادة في فهم معنى الآية ، وتمثيلا لحكمها ، ولا يخشى توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة ، إذ قد اتفق العلماء ، أو كادوا ؛ على أن سبب النزول في مثل هذا لا يخصص ، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا .
--> ( 1 ) مقدّمة التحرير والتّنوير ، لابن عاشور ، ص 41 - 45 ، بتصرّف . ( 2 ) والأصح أنّها نزلت في هلال بن أميّة . انظر سبب نزولها في هذا الكتاب .